ابن حزم
472
الاحكام
فصل في نسخ الشئ قبل أن يعمل به قال أبو محمد : أكثر المتقدمون في هذا الفصل وما ندري أن لطالب الفقه إليه حاجة ولكن ما تكلموا ألزمنا بيان الحق في ذلك بحول الله وقوته ، والصحيح من ذلك : أن النسخ بعد العمل به وقبل العمل به ، جائز كل ذلك ، وقد نسخ تعالى عنا إيجابه خمسة وأربعين صلاة في كل يوم وليلة ، قبل أن يعمل بها أحد . قال أبو محمد : ومن جعل هذا بداء فقد جعل النسخ بداء ولا فرق ، وكل ما دخلوه في نسخ الشئ قبل أن يعمل به راجع عليهم في نسخه بعد أن يعمل به ولا فرق ، والله تعالى يفعل ما يشاء ، والذي نقدر أن الذي حداهم إلى الكلام في هذه المسألة مذهبهم الفاسد في المصالح ، ونحن لا نقول بها ، بل نفوض الامر إلى الله عز وجل يفعل ما يشاء ، ليس عليه زمام ، ولا له متعقب ، وسنبين ذلك في باب العلل من هذا الديوان إن شاء الله تعالى . فإن قال قائل : فماذا أراد الله عز وجل منا إذ قال : خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، ثم نسخها وردها إلى خمس قبل أن نصلي الخمسين ؟ قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : إنه أراد منا الطاعة والانقياد والعزيمة على صلاتها ، والاعتقاد لوجوبها علينا فقط ، ولم يرد تعالى قط منا كون تلك الصلوات ، ولا أن نعملها ، ونحن لا ننكر أن يأمر تعالى بما لم يرد قط منا كونه ، بل يوجب ذلك ، ونقول : إنه تعالى أمر أبا طالب بالايمان ، ولم يرد قط تعالى كون إيمانه موجودا . وقد نص تعالى على ذلك بقوله : * ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) * وقوله تعالى : * ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) * . فأخبر تعالى أنه لم يجب هداية أبي طالب ، وأنه أراد ألا يهدي قوما ، وكلهم مأمور بالاهتداء ، وقد بينا هذا في كتاب الفصل ، ولو أنه تعالى لم ينسخها حتى نصليها لعلمنا حينئذ أنه تعالى أراد كونها منا ، كما علمنا أنه تعالى أراد إسلام أبي بكر وعمر وسائر من أسلم ، وإنما نعلم ما أراد تعالى كونه بعد ظهوره ، أو أخبرنا الله تعالى بأنه سيكون والله أعلم ، وهو الذي أطلعنا عليه من غيبه ، ونحن كنا مأمورون بالصلاة . وقد يموت كثير من الناس قبل أن يتأتى عليه وقت صلاة بعد بلوغه ،